تقييم فعالية اتفاقية التنوع البيولوجي لـ CBD في تحقيق الأهداف العالمية

 

 

فعالية اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) في ميزان التقييم العالمي: من أهداف أيشي إلى إطار كونمينغ-مونتريال

يمثل التنوع البيولوجي الركيزة الأساسية للحياة على كوكب الأرض، حيث يوفر الخدمات البيئية الضرورية التي يعتمد عليها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي العالمي. ومع ذلك، تشير التقارير العلمية الصادرة عن المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية (IPBES) إلى أن النشاط البشري قد أدى إلى تدهور 75% من البيئة البرية وحوالي 66% من البيئة البحرية، مما يضع مليون نوع من الكائنات الحية تحت تهديد الانقراض. وفي هذا السياق، تبرز اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) كأهم صك قانوني دولي يسعى لتحقيق توازن مستدام بين الحفاظ على الطبيعة واحتياجات التنمية البشرية. إن الانتقال التاريخي من "أهداف أيشي" التي شهدت تعثراً في التنفيذ، إلى "إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي" (KMGBF) الذي اعتمد في ديسمبر 2022، يمثل محاولة طموحة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة عبر أهداف "SMART" (محددة، قابلة للقياس، طموحة، ذات صلة، ومحددة زمنياً).

تحليل الأهداف العالمية لاتفاقية التنوع البيولوجي: الركائز والآليات

تستند اتفاقية التنوع البيولوجي إلى ثلاث ركائز أساسية تشكل مجتمعة إطار عمل التنمية المستدامة والعدالة البيئية. الركيزة الأولى هي الحفاظ على التنوع البيولوجي، والثانية هي الاستخدام المستدام لمكوناته، والثالثة هي التقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام الموارد الجينية. وقد تم تطوير هذه الأهداف في إطار كونمينغ-مونتريال لتشمل 23 هدفاً إجرائياً لعام 2030 وأربعة أهداف غائية لعام 2050.

ركيزة الحفاظ على النظم البيئية والأنواع

يركز الهدف الثالث من الإطار العالمي (KMGBF)، المعروف بمبادرة "30x30"، على ضمان حماية 30% على الأقل من اليابسة والمياه الداخلية والمناطق الساحلية والبحرية بحلول عام 2030. هذا الهدف لا يتوقف عند المساحة الجغرافية فقط، بل يشترط أن تكون هذه المناطق محمية بفعالية وممثلة إيكولوجياً ومتصلة جيداً. ويهدف الهدف الأول إلى ضمان أن تكون جميع المناطق تحت تخطيط مكاني شامل وشامل للتنوع البيولوجي لمعالجة تغير استخدام الأراضي والبحار، بينما يطالب الهدف الثاني باستعادة 30% على الأقل من النظم البيئية المتدهورة بحلول عام 2030 لتعزيز الوظائف البيئية.

ركيزة الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية

تدرك الاتفاقية أن البشر جزء من الطبيعة وأن استخدام الموارد ضروري للبقاء، ولذلك يسعى الهدف الخامس إلى ضمان أن يكون حصاد الأنواع البرية وتجارتها مستداماً وآمناً وقانونياً، مع منع الاستغلال المفرط وتقليل مخاطر انتقال الأمراض الحيوانية المنشأ. كما يركز الهدف العاشر على ضمان إدارة المناطق المخصصة للزراعة وتربية الأحياء المائية والغابات بشكل مستدام، مع زيادة تطبيق الممارسات الصديقة للتنوع البيولوجي مثل التكثيف المستدام والنهج الإيكولوجية الزراعية.

ركيزة تقاسم المنافع والعدالة الجينية

تعد هذه الركيزة الأكثر تعقيداً، حيث تتعامل مع كيفية توزيع الأرباح والمنافع العلمية الناتجة عن الموارد الجينية، وخاصة مع ظهور "المعلومات الرقمية المتعلقة بالتسلسلات" (DSI). وقد شهد مؤتمر الأطراف السادس عشر (COP16) في كالي، كولومبيا، قراراً تاريخياً بتفعيل "صندوق كالي" (Cali Fund)، وهو آلية دولية تهدف إلى جمع المساهمات من الشركات التي تستفيد تجارياً من DSI وتوزيعها بشكل عادل على الدول النامية والمجتمعات المحلية.

الهدف العالمي (KMGBF)المكون الأساسيالمستهدف لعام 2030المرجعية
الهدف 2الاستعادة البيئيةاستعادة 30% من النظم المتدهورة
الهدف 3الحماية المكانيةحماية 30% من اليابسة والبحار
الهدف 4حماية الأنواعوقف الانقراض الناجم عن البشر
الهدف 7التلوثخفض مخاطر التلوث وفائض المغذيات بنسبة 50%
الهدف 15دور الشركاتالإفصاح عن المخاطر والتأثيرات على الطبيعة
الهدف 19التمويلحشد 200 مليار دولار سنوياً

مدى التقدم المحرز: تقييم المنجزات من المستوى العالمي إلى المحلي

منذ اعتماد الاتفاقية في عام 1992، تحقق تقدم متباين في تنفيذ التزاماتها. وبينما نجحت الدول في توسيع شبكة المناطق المحمية، إلا أن حالة التنوع البيولوجي العامة لا تزال في تدهور مستمر.

التقدم على المستوى العالمي والإقليمي

يشير التقرير العالمي الخامس للتوقعات بشأن التنوع البيولوجي (GBO-5) إلى أن أياً من أهداف أيشي العشرين لم يتحقق بالكامل بحلول عام 2020، مما أدى إلى تبني إطار كونمينغ-مونتريال كخارطة طريق أكثر صرامة. ومع ذلك، هناك مؤشرات إيجابية؛ فاعتباراً من عام 2024، التزمت 620 منظمة مالية بإبلاغ تأثيراتها على الطبيعة وفق معايير TNFD. وفي منطقة شمال أفريقيا، أظهرت التقييمات أن المنطقة تواجه ضغوطاً هائلة بسبب النمو السكاني السريع والتوسع الحضري، حيث أن 10% من الأنواع التي تم تقييمها في المنطقة (حوالي 340 نوعاً من أصل 3613) مهددة بالانقراض.

الحالة الوطنية: الجزائر كدراسة حالة للتقدم والتحديات البيئية

تعد الجزائر من الدول الرائدة في منطقة المغرب العربي في الالتزام باتفاقية التنوع البيولوجي، حيث وضعت استراتيجيتها الوطنية الأولى (SPAN) في عام 1997 وعززتها لاحقاً. وقد حققت الجزائر إنجازات كمية في مجال الحماية، حيث تم الإبلاغ عن تغطية مناطق محمية تصل إلى 36.5% من الإقليم الوطني، متجاوزة أهداف أيشي السابقة. وتضم الشبكة الوطنية عشر حظائر وطنية، وأربع محميات طبيعية، و50 موقعاً مصنفاً ضمن اتفاقية "رامسار" للأراضي الرطبة.

ومع ذلك، يواجه التنوع البيولوجي الجزائري تهديدات حادة؛ حيث تراجع الغطاء الغابي إلى 0.8% فقط من مساحة اليابسة، وشهدت الفترة بين 2001 و2019 فقدان 13% من الغطاء الشجري. كما أن الأنواع الرمزية مثل شجرة "سرو التاسيلي" (Tassili cypress) وفهد الصحراء والأيل البربري تواجه خطر الانقراض الوشيك.

إحصاءات التنوع البيولوجي في الجزائرالقيمة / الحالةالمرجعية
عدد الأنواع المهددة (قائمة CITES)75 نوعاً
المساحة المحمية البرية4.64% (2021) / 36.5% (تاريخياً)
المساحة المحمية البحرية0.07% (2021) / 1% (تاريخياً)
مؤشر التنوع البيولوجي الزراعي49.5 (متوسط)
تراجع مساحة السهوب الطبيعية50% منذ عام 1989

التحديات والعقبات: العوائق الهيكلية والمالية والتقنية

رغم الطموح العالي لاتفاقية التنوع البيولوجي، إلا أن التنفيذ يواجه عقبات جسيمة تجعل الوصول إلى أهداف 2030 سباقاً مع الزمن.

فجوة التمويل والاستثمارات السلبية

تظل الفجوة التمويلية هي التحدي الأبرز، حيث تقدر الاحتياجات المالية السنوية لحماية الطبيعة بحوالي 700 مليار دولار سنوياً. والواقع الصادم هو أن العالم ينفق 7.3 تريليون دولار سنوياً في أنشطة تضر بالتنوع البيولوجي (مثل دعم الوقود الأحفوري والزراعة الكثيفة)، وهو ما يمثل 30 ضعف المبالغ المخصصة للحماية. ورغم التزام الدول المتقدمة بتقديم 20 مليار دولار سنوياً للدول النامية بحلول عام 2025، إلا أن البيانات تشير إلى أن التدفقات الحالية بلغت 16.8 مليار دولار في عام 2023، مما يثير القلق بشأن الوفاء بالالتزامات في موعدها.

ضعف القدرات التقنية وفجوات البيانات في الجنوب العالمي

تعاني دول الجنوب من "فجوة بيانات" كبيرة؛ حيث أن معظم التقنيات المتقدمة لرصد التنوع البيولوجي تتركز في أمريكا الشمالية وأوروبا. وتفتقر العديد من الدول إلى البنية التحتية لتسلسل الحمض النووي (Sequencing) والقدرة على تحليل البيانات الضخمة الناتجة عن الاستشعار عن بعد. هذا الضعف التقني يعيق القدرة على تقديم تقارير وطنية دقيقة ومتابعة التقدم المحرز نحو الأهداف العالمية في الوقت الفعلي.

غياب التنسيق السياسي والقطاعي

غالباً ما يتم التعامل مع قضايا التنوع البيولوجي كشأن بيئي بحت، بينما تكمن المحركات الحقيقية لفقدانه في قطاعات المالية والزراعة والطاقة والتجارة. إن غياب التنسيق بين السياسات الاقتصادية والبيئية يؤدي إلى "سياسات متضاربة"؛ حيث تمنح الحكومات حوافز لتوسيع الأراضي الزراعية على حساب الغابات المحمية. كما أن التنسيق بين اتفاقيات ريو الثلاث (التنوع البيولوجي، المناخ، والتصحر) لا يزال ضعيفاً على المستوى العملي، مما يضيع فرصاً كبيرة لتحقيق مكاسب مشتركة عبر "الحلول القائمة على الطبيعة".

دور الأطراف المعنية: نهج المجتمع بأسره في حماية الطبيعة

يتطلب إطار كونمينغ-مونتريال انخراط كافة الفاعلين لتجاوز العقبات التنفيذية.

الحكومات والمنظمات الدولية

تتحمل الحكومات المسؤولية الأولى في دمج التنوع البيولوجي في صلب التخطيط الاقتصادي الوطني وتحديث الاستراتيجيات الوطنية (NBSAPs) لتتوافق مع إطار 2030. وتلعب المنظمات الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) دوراً حيوياً عبر مبادرات مثل "BIOFIN" التي تساعد الدول على تصميم خطط تمويل مستدامة للطبيعة. في الجزائر، أطلقت الأمم المتحدة "استراتيجية المغرب العربي 2025-2030" لتعزيز المرونة الإيكولوجية ومكافحة التصحر، مع التركيز على مشروع "السد الأخضر" كأداة لحماية التنوع البيولوجي وتوفير سبل العيش.

القطاع الخاص والمؤسسات المالية

أصبح التنوع البيولوجي يمثل خطراً "نظامياً" على الاقتصاد العالمي، حيث تعتمد 40% من قيمة الاقتصاد العالمي بشكل مباشر على خدمات الطبيعة. وتبرز الفرص أمام الشركات في تبني سلاسل توريد مستدامة والمساهمة في "صندوق كالي". ومع ذلك، لا تزال استجابة الشركات الكبرى بطيئة؛ فرغم إطلاق صندوق كالي في أوائل عام 2025، إلا أن المساهمات الفعلية لا تزال خجولة، حيث كانت شركة "TierraViva AI" البريطانية أول من بادر بمساهمة رمزية لتشجيع الآخرين.

الشعوب الأصيلة والمجتمعات المحلية

تعد هذه المجتمعات "حراس الطبيعة" الفعليين، حيث أن التنوع البيولوجي في المناطق التي تديرها المجتمعات المحلية يكون في حالة أفضل بكثير مقارنة بالمناطق الأخرى. وقد شهد مؤتمر COP16 في كالي اعترافاً تاريخياً بدورهم من خلال إنشاء هيئة فرعية دائمة للمادة 8 (ي) لضمان إشراكهم في صنع القرار وضمان وصول التمويل إليهم مباشرة.

التوصيات لتحسين الفعالية: نحو رؤية 2050 للعيش في وئام مع الطبيعة

لتحويل إطار كونمينغ-مونتريال من مجرد وثيقة سياسية إلى واقع ملموس، يجب اتباع حزمة من التوصيات الاستراتيجية.

الابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي

يجب استغلال الذكاء الاصطناعي (AI) والاستشعار عن بعد لسد ثغرات البيانات في الدول النامية. تتيح تقنيات مثل الحمض النووي البيئي (eDNA) والمراقبة الصوتية الحيوية رصد الأنواع بشكل غير جراحي وبدقة عالية. ويجب على المجتمع الدولي دعم نقل هذه التقنيات إلى مراكز التميز في أفريقيا والمنطقة العربية لتمكينها من مراقبة أهداف "30x30" بفعالية.

إصلاح الحوافز والتمويل المبتكر

من الضروري تفعيل الهدف 18 من الإطار العالمي الذي يطالب بخفض الحوافز الضارة بنحو 500 مليار دولار سنوياً وإعادة توجيهها لدعم الزراعة المستدامة والطاقة النظيفة. كما يجب التوسع في آليات التمويل المبتكرة مثل "مقايضة الديون بالطبيعة" و"سندات التنوع البيولوجي" التي تسمح للدول النامية بتخفيف أعباء ديونها مقابل التزامات حماية النظم البيئية الحيوية.

تعزيز التكامل بين التنوع البيولوجي والمناخ

لا يمكن حل أزمة المناخ دون حماية الطبيعة، ولا يمكن حماية الطبيعة دون استقرار المناخ. يجب على الدول دمج أهداف التنوع البيولوجي في "المساهمات المحددة وطنياً" (NDCs) لاتفاقية باريس، واستخدام "الحلول القائمة على الطبيعة" (NbS) كأدوات للتكيف والتخفيف من آثار التغير المناخي.

بناء القدرات والتعاون الإقليمي

تحتاج منطقة شمال أفريقيا، والجزائر خصوصاً، إلى تعزيز التعاون الإقليمي عبر "مركز دعم التعاون التقني والعلمي" لمواجهة التحديات العابرة للحدود مثل الأنواع الغازية وتغير المناخ. ويجب التركيز على تمكين الشباب والنساء في مشاريع الحماية المحلية لضمان استدامة الجهود.

في الختام، تمثل اتفاقية التنوع البيولوجي والنتائج الأخيرة لمؤتمر COP16 فرصة تاريخية وأخيرة ربما لوقف تدمير كوكبنا. إن النجاح في تحقيق أهداف 2030 يتطلب تحولاً جذرياً في كيفية تقييمنا للطبيعة في أنظمتنا الاقتصادية، والانتقال من منطق الاستغلال إلى منطق الاستعادة والوئام. الجزائر، بميراثها البيئي الغني والتزامها السياسي، قادرة على لعب دور قيادي في هذا التحول إذا ما نجحت في مواءمة سياساتها التنموية مع الأهداف العالمية الجديدة، وتأمين التمويل والتقنيات اللازمة لحماية ثرواتها الطبيعية للأجيال القادمة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Random Posts

اعلان ادسنس نهاية المقال

نموذج الاتصال