Hot Posts

6/recent/ticker-posts

الموقف على جبهة المغرب الإسلامي عندما أتم فرديناند ملك إسبانيا تجهيز الحملة، وهي الحملة التي مول أسطولها الكاردينال الوزير - خمينيس - بأمواله الخاصة وبما قدمته له الكنيسة

 

 

الموقف على جبهة المغرب الإسلامي

عندما أتم فرديناند ملك إسبانيا تجهيز الحملة، وهي الحملة التي مول أسطولها الكاردينال الوزير - خمينيس - بأمواله الخاصة وبما قدمته له الكنيسة من الأموال، توجه الأسطول للغزو، فغادر مالقة يوم آب - أغسطس - 1505، تحت قيادة (دون رايموند دي قرطبة) وكان الأسطول ينقل معه قوة من (5) آلاف رجل (بقيادة دون ديتوفر فرنانديز دي قرطبة). ووصل هذا الأسطول إلى المرسى الكبير يوم 11 - أيلول - سبتمبر - وأحكم الحصار على المدينة لمدة خمسين يوما، وكانت الاشتباكات خلال هذه الفترة مستمرة. وكانت السفن الإسبانية تضع على مقدماتها أكياس الصوف حتى لا تصيبها قذائف المسلمين. وقد تبادلت منذ اقترابها من الساحل طلقات المدفعية النارية. غير أن دوي تلك الطلقات كان أكبر من مفعولها. وعندما بدأ الإسبانيون عملية الإنزال، قاومهم المسلمون مقاومة يائسة عنيفة، وأظهروا شجاعة كبيرة وحماسة ضارية، غير أن المدفعية الإسبانية أرغمتهم على ترك مواقعهم والانسحاب إلى الداخل. ورافقت عملية الإنزال عاصفة قوية وأمطار غزيرة، لكن ذلك لم يضعف المقاومة التي استمرت تجاهد صابرة حتى منتصف الليل، ثم استؤنفت المعركة من الغد، وكان يوم جمعة، واستمرت عنيفة قاسية طوال النهار. ثم ازدادت شدة وعنفا عندما جاء المجاهدون من الداخل، بعدما بلغهم نبأ نزول الإسبان في حمية جنونية، بينما كانت مدفعية الحصون الإسلامية ترمي الأسطول الإسبانى بقذائف من الحجارة تزن أربعين رطلا. واستمرت المعركة إلى الليل رغم استشهاد قائد الموقع الذي أصابته قذيفة مدفع إسباني. وأثناء الليل تشاور المسلمون فيما بينهم - في اجتماع عقدوه في دار المزوار - وكانت الأغلبية تميل إلى متابعة الجهاد في حين كانت الأقلية ترغب في الاستسلام وحجتها، أنه من المحال على الحامية التي لا تزيد في الأصل عن خمسمائة مجاهد التغلب على قوة خمسة آلاف مقاتل إسباني. وبالإضافة إلى ذلك فإن انتصار الإسبان يعني استباحة المدينة وأهلها. وفي النهاية انتصر المعتدلون وتقرر مفاوضة القائد الإسباني على شروط التسليم. ولم تفلح حماسة الشاب المجاهد (موسى بن علي) بإثارة مشاعر الناس وحضهم على متابعة القتال.
وافق القائد الإسباني على انسحاب المسلمين من المدينة، وحدد لهم فترة ثلاث ساعات من أجل الجلاء عن المدينة وبقية الحصون، واشترط عليهم أن لا يأخذوا معهم أي شيء من الزاد والمؤن، ولا من حيوانات الجر، ولا من الأسلحة. وأخلى المسلمون أول الأمر النساء، ثم تبعهم الرجال، وعندما تم انسحاب المسلمين في الفترة المحددة من التاسعة صباحا إلى الظهر، اقتحم الإبان المدينة، ورفعوا فوقها أعلامهم. وتوجه المركيز القائد الأعلى إلى مسجد المدينة الأعظم، فأمر بتحويله إلى كنيسة للنصارى فورا. وكرسه وباركه وأطلق عليه اسم (كنيسة القديس ميكائيل). وأقيم به القداس صبيحة الأربعاء 15 تموز - يوليو وانصرف الإسبان على الفور لتحصين المدينة. وعندما وصل المجاهدرن وجيش تلمسان في صباح يوم السبت، وكان عددهم (22) ألفا من المشاة وألفين من الفرسان، كانت الحامية الإسبانية قد تمركزت بقوة في المدينة، وحاولت قوة من الفرسان اقتحام المدينة غير أن الحامية الإسبانية أحبطت هذه المحاولة التي وصفها أحد شهود المعركة بقوله: (لم أر في حياتي إطلاقا أبدع من هذه الفرقة المؤلفة من ثلاثمائة من الفرسان العرب التي كان يقودها - القائد ابن دالي - ولا أرهف سلاحا، سواء من حيث خيولها المطهمة البالغة منتهى الجمال، أو من حيث ذلك الجهاز الفاخر المطرز الذي كان يكسوها).
وما كاد خبر الاستيلاء على المرسى الكبير يصل إسبانيا، حتى اجتاحتها موجة من الفرح والابتهاج، وأعلن فيها العيد لمدة أسبوع، وعملت الحامية الإسبانية (بالمرسى الكبير) على فتح سوق تجاري إلى جانب المدينة بهدف تأمين متطلبات الحامية من جهة، ولإقامة علاقات مع السكان من جهة أخرى. وأغدقت الحامية الذهب والفضة على المتعاونين معها من التجار. غير أن جماعة المسلمين اعتبرت أولئك المتعاونين خونة مارقين، وعاملتهم معاملة الأعداء. وأخذت توالي إغاراتها عليهم.
ثم أخذت القيادة الإسبانية في الإعداد للمرحلة الثانية من التوسع. ونظم قائد حامية المرسى الكبير (فرنانديز دي قرطبة) حملة بهدف الهجوم على (مسرغين) بإغارة مباغتة. وكانت هذه المدينة تبعد عن المرسى الكبير مسافة ثلاث مراحل. ويصل بينها طريق سهلي يمر من تحت حصون مدينة (وهران الإسلامية). وكان اتباع هذا الطريق خطرا لأن حامية وهران سترد الجيش الإسباني وستتصدى لمقاومته، ولهذا قرر اتباع الطرق الجبلية والأودية، وجند لقيادة الحملة أدلاء استأجرهم بالمال - من رجال قبيلة جيزة - التي كانت تنتشر حول المرسى الكبير ووهران، فاتخذ من بينهم أدلاء وحرسا من المرتزقين وغادرت هذه الحملة (المرسى الكبير) في يوم 6 حزيران (يونيو) وبدأت تحركها في الساعة (21) ليلا. وقد ضمت هذه الحملة القوة الإسبانية بكاملها تقريبا بحيث لم يترك في المرسى الكبير إلا العدد الضروري لحماية المدينة وأسوارها. ودخلت الحملة في الشعاب الجبلية خلف الأدلة وهي تسير بالرتل الأحادي - على الطريقة المعروفة بالسلك الهندي - وكانت المسيرة شاقة، زاد من متاعبها حرص أفراد الحملة على تجنب إثارة أي صخب أو ضجيج. ووصلت الحملة إلى هدفها مع الفجر، وأحاطت بدوار العرب المسلمين. وباغتته بالهجوم من كل جهاته. وذهل العرب لأول وهلة، غير أنهم استعادوا بسرعة ثباتهم، وقابلوا الهجوم بمقاومة عنيفة، وقاتلوا بعناد وشراسة، غير أن القوات الإسبانية أفادت من عاملي المباغتة والمبادأة فدمرت المقاومة بسرعة، فاستشهد المجاهدون المسلمون وهم يحملون سلاحهم، وسيق بقية الرجال والنساء والأطفال إلى الأسر، واستخدم الإسبان كل ما وجدوه من الخيول وعربات الجر لحمل الغنائم، ونظموا سيرهم، وأخذوا يعبرون المسالك الجبلية على طريق العودة.
وأثناء ذلك كان بعض الرجال قد أفلتوا من المعركة وذهبوا لاستنفار القرى المجاورة. وأسرع المجاهدون (من الدواوير القريبة) لنجدة إخوانهم - الغرابة - وهم لا يبغون من الدنيا إلا إنقاذهم من الأسر والهوان، وليصونوا شرف النساء الحرائر من العربيات خوفا من أن يلحق بهن العار. ولم تمض إلا ساعة من نهار، حتى أحدق المجاهدون. بالقافلة الإسبانية التي كانت تدفع أمامها غنائمها وأسلابها وأسراها.
والتحمت بين الجانبين معركة قاسية عنيفة، وكان الضباب يغطي ميدان المعركة، فلم يتمكن الإسبان من استعمال أسلحتهم، ولم يتمكنوا من رؤية أعدائهم. وقد أدخلت صيحات العرب الوحشية الفزع والهلع إلى قلوبهم، فاختل نظامهم وفقدوا الأمل في
النجاه. وأثناء ذلك، كانت أنباء الإغارة الوحشية قد وصلت إلى مدينة (وهران). فبادر حاكم المدينة إلى دفع قواته لنجدة المجاهدين. ووصل الجيش إلى ميدان المعركة المتسع عبر الفجاج العميقة والشعاب الجبلية. فارتفعت أصوات التهليل والتكبير من كل جانب. واستبشرالمجاهدون بهذه النجدة القوية، فتزايدت حماستهم، وانقضوا على المقدمة التي تضم الغنائم والأسرى - والتي يقودها خونة جيزة - فقضت عليهم قضاء مبرما، وفكت قيود الأسرى من رجال ونساء؛ واسترجعت كل الغنائم والأسلاب. فازداد بذلك رعب الإسبان وانهيارهم. وانهال عليهم المجاهدون في سبيل الله من كل جانب، يعملون في رقابهم السيف، فكادوا يقتلون عن آخرهم، لولا أن مناديا من أهل الأندلس - المدجنين - الذين خضعوا لإسبانيا وتنصروا، نادى المسلمين باللغة العربية: (أن إأسروهم ولا تقتلوهم، فإنكم ستكسبون مالا كثيرا عندما يبعث لكم أهلهم بفديتهم). وهكذا مال بعض المسلمين عن قتل الإسبان إلى أسرهم، فأسروا بعض المئات. وسقط من القوة الإسبانية ثلاثة آلاف قتيل.
وقد استطاع قائد الحملة الإسبانية النجاة بنفسه مع قوة صغيرة، بعد أن بذل جهدا كبيرا حتى وصل إلى المرسى الكبير، وأمضى بضعة أيام، توجه بعدها إلى إسبانيا لتقديم تقريره. وأرسلت الحكومة الإسبانية على أثر ذلك دعما عاجلا لحامية المرسى الكبير يضم خمسمائة محارب ، وبذلك انتهت معركة (مسرغين) التي بدأت يوم 6 حزيران (يونيو) 1507 م.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب: سلسلة جهاد شعب الجزائر، المؤلف: بسام العسلي، ج1، ص59~64


إرسال تعليق

0 تعليقات