Hot Posts

6/recent/ticker-posts

اكتشاف البنسلين وتطويره المَعلم الكيميائي التاريخي الدولي عُرف في التاسع عشر من نوفمبر 1999 في متحف مختبر ألكسندر فليمنج في لندن,‏ المملكة المتحدة.‏ كما اعتُرف به في المركز


 

 

 

اكتشاف البنسلين وتطويره

المَعلم الكيميائي  التاريخي الدولي

عُرف في التاسع عشر من نوفمبر 1999 في متحف مختبر ألكسندر فليمنج في لندن,‏ المملكة المتحدة.‏ كما اعتُرف به في المركز الوطني لبحوث الاستخدام الزراعي التابع لوزارة الزراعة الأمريكية في بيوريا,‏ إلينوي,‏ وشركات  الأدوية الأمريكية الخمس التي ساهمت في أبحاث إنتاج البنسلين خلال الحرب العالمية الثانية:‏ مختبرات أبوت,‏ ومختبرات ليدرل (شركة فايزر,‏ الآن), وشركة ميرك آند كو,‏ وتشاس‏ شركة فايزر آند كو.‏ (شركة فايزر الآن), وشركة إدوارد روبنسون سكويب آند صُنِعت مادة(شركة بريستول-مايرز سكويب الآن)

ظهر البنسلين للمرة الأولى في الأربعينيات من القرن العشرين,‏ والذي عُرف كأحد أعظم التطورات في الطب العلاجي وبداية عصر المضادات الحيوية.‏ حدث اكتشاف البنسلين والاعتراف الأولي بإمكانياته العلاجية في المملكة المتحدة,‏ إلا أنه بسبب الحرب العالمية الثانية,‏ لعبت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في الإنتاج الواسع النطاق للدواء,‏ وبذلك  صُنِعت مادة منقذة للحياة ذات كمية محدودة,‏ لتتحول إلى دواء متوفر على نطاق واسع.‏

اكتشاف ألكسندر فليمنج للبنسلين

أعلن البنسلين بزوغ فجر عصر المضادات الحيوية.‏ لم يكن هناك قبل تقديمه علاج فعال للعدوى مثل الالتهاب الرئوي,‏ أو السيلان,‏ أو الحمى الروماتيزمية.‏ كانت المستشفيات ممتلئة بالأشخاص المصابين بتسمم الدم بسبب جرح أو خدش,‏ ولم يكن باستطاعة الأطباء فعل الكثير من أجلهم سوى الانتظار والتحلي بالأمل.‏

المضادات الحيوية عبارة عن مركبات تنتجها البكتيريا والفطريات,‏ وهي قادرة على قتل أو تثبيط أنواع البكتريا المنافسة.‏ هذه الظاهرة معروفة منذ زمن بعيد,‏ ويمكن أن تفسر سبب وضع قدماء المصريين كمادات من الخبز المتعفن على الجروح الملوثة.‏ إلا أن ألكسندر فليمنج , أستاذ علم الجراثيم في مستشفى سانت ماري في لندن‏ لم يكتشف البنسلين,أول مضاد حيوي حقيقي, حتى عام 1928.‏

بعد عودته من عطلة بتاريخ الثالث من سبتمبر 1928بدأ فليمنج في فرز أطباق بتري المحتوية على مستعمرات بكتيريا المكورات العنقودية التي تسبب الدمامل,‏ والتهاب الحلق,‏ والخراجات.‏ لاحظ شيئًا غير عادي في طبق واحد.‏ استطاعت المستعمرات البكتيرية احتلاله  باستثناء  منطقة واحدة كانت تنمو فيها كتلة من العفن.‏ ظهرت المنطقة المحيطة بالعفن مباشرة ـالتي حُددت لاحقًا كسلالة نادرة من المكنسية المعينة  (بنسيليوم نوتاتوم) ـ خالية كمالو أن العفن قد أفرز شيئًا مثبطًا لنمو  البكتيريا.

وجد فليمنج أن "عصيرالعفن" ‏الذي حضره  كان قادراً على قتل مجموعة واسعة من البكتيريا الضارة مثل المكورات العقدية,‏ والمكورات السحائية,‏ والعصية الخناقية.‏  وهكذا عين مساعديه‏ ستيوارت كرادوك,‏ وفريدريك ريدلي للقيام بالمهمة الصعبة المتمثلة في عزل البنسلين النقي من عصير العفن.‏ ثبت أنه غير ثابت تمامًا,‏ وتمكنوا فقط من تحضير محاليل من المواد الخام للعمل بها.‏ نشر فليمنج النتائج التي توصل إليها في المجلة البريطانية لعلم الأمراض التجريبي في يونيو 1929مع إشارة عابرة فقط للفوائد العلاجية المحتملة للبنسلين.‏ في هذه المرحلة,‏ بدا الأمر كما لو أن استخدامه الرئيسي سيكون في عزل البكتيريا غير الحساسة للبنسلين عن البكتيريا الحساسة للبنسلين في مزرعة مختلطة.‏ كان هذا على الأقل له فائدة عملية لعلماء البكتيريا,‏ وبقي الاهتمام بالبنسلين مستمرًا.‏ حاول آخرون,‏ من بينهم هارولد ريستريك أستاذ الكيمياء الحيوية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي,‏ تنقية البنسلين لكنهم فشلوا.‏

أبحاث البنسلين في جامعة أكسفورد

كان هوارد فلوري وإرنست تشين وزملاؤهم في مدرسة السير ويليام دن لعلم الأمراض في جامعة أكسفورد,‏ هم من حوّلوا البنسلين من مجرد فضول في المختبر إلى دواء منقذ للحياة.‏ بدؤوا عملهم في تنقية ومعرفة كيمياء البنسلين بشكل جدي في عام 1939, حينما كانت ظروف الحرب قد جعلت البحوث بالغة الصعوبة.‏ احتاج الفريق لتجهيز ما يصل إلى 500 لتر أسبوعيًا من ترشيح العفن,‏ لتنفيذ البرنامج على حيوانات التجارب والتجارب السريرية.‏ بدؤوا تنميته  بأعداد هائلة وتجهيزات غريبة من أوعية الزراعة,‏ مثل حمامات,‏ أو حاويات سريرية لقضاء الحاجة أوممخضات الحليب,‏ أو علب الطعام.‏ لاحقا صُمموعاء تخمير مخصص,‏ لتسهيل التفريغ و لتوفيرالمساحة,‏ ولتجديد السائل أسفل سطح العفن.‏ وُظف فريق من "فتيات البنسلين"‏, مقابل 2 جنيه إسترليني أسبوعيًا,‏ للتلقيح والعناية بالتخمير عامةً.‏ تحول مختبر أكسفورد في الواقع إلى مصنع للبنسلين.‏

في الوقت نفسه,‏ استخلص عالم الكيمياء الحيوية نورمان هيتلي البنسلين من كميات ضخمة من الرشيح الخارج من خط الإنتاج,‏ عن طريق استخلاصه في أسيتات الأميل ثم إعادته إلى الماء باستخدام نظام التيار المعاكس.‏ استخدم إدوارد أبراهام,‏ عالم آخر في الكيمياء الحيوية والذي وُظف للمساعدة في زيادة الإنتاج,‏ التقنية المكتشفة حديثًا من عمود الألومنيوم المستخدم للتحليل الكروماتوغرافي,‏ لإزالة الشوائب من البنسلين قبل التجارب السريرية.‏

في عام 1940, أجرى فلوري تجارب حيوية أظهرت أنه يمكن للبنسلين حماية الفئران ضد عدوى المكورات العقدية القاتلة.‏ ثم في الثاني عشر من فبراير 1941 أصبح الشرطي ألبرت ألكسندر البالغ من العمر 43 عامًا أول متلقٍّ لبنسلين أكسفورد.‏ حيث خدش جانب فمه في أثناء تشذيب الورود,‏ وأُصيب بعدوى مهددة للحياة متمثلة في خراجات ضخمة أثرت في عينيه,‏ ووجهه,‏ ورئتيه.‏ حُقن بالبنسلين,‏ وتعافى بشكل ملحوظ في خلال أيام,‏ لكن نفدت إمدادات الدواء,‏ وتُوفي بعد بضعة أيام.‏ ظهرت نتائج أفضل فيما بعد مع مرضى آخرين,‏ وسرعان ما كانت هناك خطط لإتاحة البنسلين للقوات البريطانية في ساحة المعركة,‏

إلا أن ظروف الحرب صعَّبت من تصنيع البنسلين... وهكذا‏ قَبِلَ عدد من الشركات البريطانية  تحدي الإنتاج, بما فيها جلاكسو (جلاكسو سميثكلاين الآن) ‏ وكيمبيل بيشوب وهي شركة في لندن اشترتها فايزر لاحقًا.‏

إنتاج البنسلين في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية

لابد من توفر كميات كبيرة من البنسلين من أجل التجارب السريرية المكثفة المطلوبة للتأكد من أن النتائج المبكرة كانت مبشرة‏ وتوفير الإمدادات الكافية من الدواء للاستخدام العلاجي إذا  ماارتقى لإمكانياته.‏ أدرك فلوري أنه ربما كان إنتاج البنسلين على نطاق واسع غير وارد في بريطانيا,‏ حيث  انصبت كامل طاقة المصانع الكيميائية في المجهود الحربي. سافر فلوري وزميله نورمان هيتلي بدعم من مؤسسة روكفلر إلى الولايات المتحدة في صيف 1941 لمعرفة ما إذا كان بإمكانهما جلب إهتمام صناعةالأدوية الأمريكية في محاولة إنتاج البنسلين على نطاق واسع.‏

ساعد عالم وظائف الأعضاء جون فولتون في جعل زملائه البريطانيين على اتصال بأفراد قد يكونون قادرين على مساعدتهم في تحقيق هدفهم.‏ وقد أُحيلوا إلى روبرت ثوم اختصاصي علم الفطريات وخبير في عفن البنسليوم من وزارة الزراعة,‏ وأخيرًا إلى مختبر البحوث الإقليمي الشمالي في بيوريا,‏ إلينوي بسبب خبرة قسم التخميرهناك. ‏ أثبت هذا الاتصال أنه مهم لنجاح المشروع,‏ حيث كان مختبر البحوث الإقليمي الشمالي مساهمًا رئيسيًا في الابتكارات التي جعلت إنتاج البنسلين على نطاق واسع ممكنًا.‏

زيادة  مردودية إنتاج البنسلين

وافق أورفيل ماي,‏ مدير مختبر البحوث الإقليمي الشمالي على أن يقوم المختبر بتنفيذ برنامج قوي لزيادة إنتاج البنسلين تحت إشراف روبرت كوجيل,‏ رئيس قسم التخمير.‏ اتُفق على بقاء هيتلي في بيوريا لمشاركة خبرته مع زملائه الأمريكيين.‏ وفي خلال أسابيع قليلة,‏ استطاع أندرو موير زيادة إنتاج البنسلين بشكل كبير عن طريق استبدال اللاكتوز بالسكروز الذي استخدمه فريق أكسفورد في  الوسط المُغذي المستخدم عندهم.  وبعد ذلك بوقت قصير,‏ توصل موير إلى اكتشاف أكثر أهمية,‏ وهو أن إضافة سائل نقع الذرة إلى وسط التخمير تسبب في زيادة الإنتاج عشرة أضعاف.‏ كان سائل نقع الذرة ناتجًا ثانويًا لعملية  الطحن الرطب للذرة وقد جربه مختبر البحوث الإقليمي الشمالي بشكل أساسي في جميع عمليات التخمير الخاصة به في محاولة للعثور على فائدة له.‏ وفي وقت لاحق,‏ زاد مختبر بيوريا من إنتاج البنسلين بشكل أكبر عن طريق إضافة سلائف البنسلين,‏ مثل حمض فينيل أستيك إلى وسط التخمير.‏

لُوحِظ بأن طريقة مجموعة أكسفورد لزراعة العفن على سطح وسط غذائي كانت غير فعالة,‏ وأن النمو في المزرعة المغمورة ستكون عملية أكثر نجاحا..‏ في عملية التخمير المغمورة,‏ يُزرع العفن في خزانات كبيرة في خليط دائم المزج و مهوى بدلاً من سطح الوسط المُغذي..‏ ومع ذلك,‏ لم ينتج من مزرعة فلوري للبنسليوم سوى كميات بسيطة من البنسلين في أثناء زراعته في مزرعة مغمورة.‏ فحص العاملون في مختبر البحوث الإقليمي الشمالي تحت إشراف كينيث رابر,‏ سلالات مختلفة من البنسليوم,‏ ووجدوا أن السلالة التي تنتج كميات مقبولة من البنسلين هي الموجودة في المزرعة المغمورة.‏

سرعان ما بدأ البحث العالمي عن سلالات أفضل لإنتاج البنسلين,‏ مع إرسال عينات من التربة إلى مختبر البحوث الإقليمي الشمالي من جميع أنحاء العالم.‏ ومن المفارقات,‏ أن السلالة الأكثر إنتاجية جاءت من شمام (بطيخ أصفر) متعفن من سوق فواكه بيوريا.‏ تم إنتاج طفرة أكثر إنتاجية مما يسمى بسلالة الشمام باستخدام الأشعة السينية في معهد كارنيجي.‏ عندما تعرضت هذه السلالة للأشعة فوق البنفسجية في جامعة ويسكونسن زادت إنتاجيتها بشكل أكبر.‏

دعم شركات الأدوية الأمريكية للإنتاج

وبينما ظل نورمان هيتلي في بيوريا مساعدًا فريق مختبر البحوث الإقليمي الشمالي في بدء عمليات تصنيع البنسلين,‏ زار هوارد فلوري العديد من شركات الأدوية محاولاً إثارة اهتمامهم بالدواء.‏ وعلى الرغم من أن فلوري أُصيب بالإحباط من النتائج الفورية لرحلته,‏ إلا أن ثلاثًا من الشركات (ميرك,‏ وسكويب,‏ وليلي),‏ قد أجرت بالفعل بعض الأبحاث على البنسلين قبل وصول فلوري,‏ وبدا أن فايزر على وشك البحث في الدواء أيضًا.‏ في هذا الوقت,‏ كان  الوعد المنوط بالبنسلين ما زال في طور التجارب السريرية المحدودة فقط.‏

زار فلوري بعد ذلك صديقه القديم ألفريد نيوتن ريتشاردز,‏ لاحقا نائب الرئيس للشؤون الطبية في جامعة بنسلفانيا.‏ والأهم من ذلك,‏ كان ريتشاردز رئيسًا للجنة البحث الطبي التابعة لمكتب البحث العلمي والتطوير.‏ وقد أُنشىء مكتب البحث العلمي والتطوير في يونيو 1941 لضمان الاهتمام الكافيبالبحوث العلمية والطبية المتعلقة بالدفاع الوطني.‏ كان ريتشاردز يحترم فلوري ويثق بحكمه على القيمة المحتملة للبنسلين.‏ اتصل بشركات الأدوية الأربع التي أشار فلوري إلى أنها أبدت بعض الاهتمام بالعقار (ميرك,‏ وسكويب,‏ وليلي,‏ وفايزر),‏ وأخبرهم بأنهم سيخدمون المصلحة الوطنية إذا قاموا بإنتاج البنسلين,‏ وأنه قد يكون هناك دعم من الحكومة الفيدرالية.‏

عقد ريتشاردز اجتماعًا في العاصمة واشنطن في الثامن من أكتوبر 1941 لتبادل المعلومات حول أبحاث الشركات والحكومة ولتخطيط برنامج بحث تعاوني لتسريع إنتاج البنسلين. وبالإضافة إلى ممثلي لجنة البحث الطبي .‏ والمجلس القومي للبحوث ووزارة الزراعة الأمريكية,‏ كان من بين المشاركين مديرو الأبحاث راندولف ت.‏ ميجور من شركة ميرك,‏ وجورج أ.‏ هاروب من معهد سكويب للأبحاث الطبية,‏ وجاسبر كين من شركة فايزر,‏ وواي سوباروا من ليدرل.‏  كان مؤتمر البنسلين التالي التابع للجنة البحث الطبي الذي عُقد في نيويورك في ديسمبر,‏ بعد عشرة أيام من موقعة بيرل هاربور ودخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية,‏ أكثر حسمًا.‏ في هذا الاجتماع,‏ الذي حضره رؤساء ميرك وسكويب وفايزر وليدرل,‏ بالإضافة إلى مديري أبحاث الشركة,‏ كان تقرير روبرت كوجيل حول النجاح في مختبر البحوث الإقليمي الشمالي باستخدام سائل نقع الذرة مشجعًا لقادة الصناعة الحاضرين.‏

يذكر كوجيل لاحقًا,‏بأن جورج دبليو ميرك,‏ الذي كان متشائمًا بشأن إمكانية إنتاج كميات كافية من البنسلين نظرًا لمحدودية تقنيات التخمير والعوائد المتاحة,‏ تحدث على الفور قائلاً  "إنه إذا أمكن تأكيد هذه النتائج في مختبراتهم,‏ فإنه من الممكن إنتاج كيلوغرام من المواد لفلوري,‏ وستقوم الصناعة بذلك!‏".‏ تم الاتفاق على أنه على الرغم من أن الشركات ستواصل أنشطتها البحثية بشكل فردي,‏ إلا أنهم سيواصلون إطلاع لجنة البحث الطبي  على التطورات,‏ وستقرر اللجنة حول نشر المعلومات على نطاق واسع (بإذن من الشركة المعنية) إذا اعتبر ذلك في المصلحة العامة.‏

وعلى الرغم من وجود بعض القلق من أن الاستثمارات في عمليات التخمير قد تضيع إذا ما تم اصطناع بنسلين بشكل مُجْدٍتجاريًا,‏ بدأت الشركات الأخرى أيضًا في إظهار الاهتمام بالدواء.‏ أبرمت بعض الشركات اتفاقيات تعاون خاصة بها (على سبيل المثال,‏ ميرك وسكويب في فبراير 1942,‏ وانضمت إليهما فايزر في سبتمبر))‏ .استمر المصنع التجريبي لشركة ميرك في إنتاج عدة مئات من اللترات من البنسلين أسبوعيًّاً باستخدام كل من القوارير والأطباق  وفي ديسمبر,‏ انضم هيتلي إلى فريق أبحاث ميرك لعدة أشهر,‏ حيث قدم طريقة أكسفورد  المعروفة بطريقة الإنتشار في الطبق  لتحليل البنسلين,‏ والتي سرعان ما أصبحت الطريقة القياسية على مستوى الصناعة.‏ بحلول مارس  1942أُنتج ما يكفي من البنسلين تحت رعاية مكتب البحث العلمي والتطوير لعلاج المريض الأول (السيدة آن ميلر,‏ في نيو هيفن,‏ كونيتيكت),‏ وعُولجت عشر حالات أخرى بحلول يونيو 1942  ‏ جميعها بالبنسلين التي قدمته شركة ميرك وشركاه.‏

زيادة إنتاج البنسلين

لعبتا لشر كات اًالدوائية والكيميائية دورًا مهمًا خاصة في حل المشكلات الملازمة لتوسيع نطاق التخمير المغمور من مصنع تجريبي إلى نطاق  إنتاج كبير.‏  ومع زيادة حجم الإنتاج,‏ واجه العلماء في شركة ميرك وفايزر وسكويب والشركات الأخرى تحديات هندسية جديدة.‏ وعبّر جون ل.‏ سميث من فايزر مدى التعقيد وعدم اليقين الذي يواجه هذه الشركات في أثناء عملية التوسع:‏ "فالعفن مزاجي يشبه مغني الأوبرا,‏ والعائد منخفض,‏ والعزل صعب,‏ والاستخراج جريمة,‏ والتنقية تدعو إلى كارثة والتحليل نتائجه غير مرضية"‏ .

ولأن البنسلين يحتاج إلى الهواء للنمو,‏ شكلت تهوية خليط التخمير في خزانات عميقة عقبة‏ عندما استُخدم سائل نقع الذرة كوسط للزراعة حيث  تسببت فقاعات الهواء المعقم  الممزجة مع الخليط في حدوث رغوة شديدة.‏ وحلت  شركةسكويب هذه المشكلة عن طريق إدخال الجليسريل مونوريسينولات كعامل مضاد للرغوة.‏  يتطلب التخمير المغمور أيضًا تصميم أنظمة تبريد جديدة للأحواض وتقنية خلط جديدة لتحريك عجينة  البنسلين بكفاءة.‏

كانت شركة ليلي ناجحة,‏ خاصة في  جعل العفن يصنع أنواع جديدة من البنسلين عن طريق تغذيته بسلائف ذات بنية مختلفة.‏ بمجرد انتهاء التخمير,‏ كانت عملية الاستعادة صعبة أيضًا؛‏ حيث يمكن فقد ما يصل إلى ثلثي البنسلين الموجود في أثناء عملية التنقية بسبب عدم ثباته وحساسيته للحرارة.‏ أُجريت عملية الاستخراج في درجات حرارة منخفضة.‏ في نهاية المطاف أعطت طرق التجفيف بالتجميد تحت التفريغ أفضل النتائج في تنقية البنسلين إلى شكل نهائي ثابت,‏ ومعقم,‏ وقابل للاستخدام.‏

سرعان ما تمخضت خطوات التخمير والاستعادة والتنقية والتعبئة والتغليف عن الجهود التعاونية لعلماء ومهندسين كيميائيين يعملون على الإنتاج الرائد للبنسلين.‏ وفي الأول من مارس عام 1944 افتتحت شركة فايزر أول مصنع تجاري لإنتاج البنسلين عن طريق المزرعة المغمورة على نطاق واسع في بروكلين,‏ نيويورك.‏

وفي غضون ذلك,‏ أكدت الدراسات السريرية في القطاعين العسكري والمدني البشائر العلاجية الواعدة للبنسلين.‏ ثبت أن الدواء فعال في علاج مجموعة واسعة من العدوى,‏ بما في ذلك العدوى بالمكورات العقدية,‏ والمكورات العنقودية,‏ والمكورات البنية.‏ أكد جيش الولايات المتحدة على قيمة البنسلين في علاج عدوى الجروح والعمليات الجراحية.‏ كما أظهرت الدراسات السريرية فعاليته ضد مرض الزهري,‏  و بحلول عام 1944 كان العلاج الأساسي لهذا المرض في القوات المسلحة لبريطانيا والولايات المتحدة.‏

البنسلين,‏ والحرب العالمية الثانية,‏ والإنتاج التجاري

أدت القيمة الواضحة بشكل متزايد للبنسلين في المجهود الحربي إلى قيام مجلس الإنتاج الحربي بتولي مسؤولية زيادة إنتاج الدواء. بحث المجلس  مع أكثر من 175 شركة قبل اختيار 21 شركة فقط للمشاركة في برنامج البنسلين تحت إشراف ألبرت إلدر؛‏ بالإضافة إلى ليدرل وميرك وفايزر وسكويب,‏ وكانت مختبرات أبوت  (التي كانت أيضًا من بين المنتجين الرئيسيين للمستلزمات الطبية السريرية من البنسلين حتى منتصف عام1943  واحدة من أولى الشركات التي بدأت الإنتاج على نطاق واسع.‏ حصلت هذه الشركات على أولوية قصوى للحصول على مواد البناء والمتطلبات الأخرى اللازمة لتحقيق أهداف الإنتاج.‏ وكان  مجلس الإنتاج الحربيي تحكم في التصرف في كل البنسلين المنتج.‏

كان أحد الأهداف الرئيسية هو الحصول على إمدادات كافية من الدواء في متناول اليد من أجل عملية الإنزال في النورماندي المقترحة لأوروبا.‏ حفزت مشاعر حب الوطن في زمن الحرب بشكل كبير العمل على البنسلين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.‏ على سبيل المثال,‏ كتب ألبرت إلدر للمصنعين في عام 1943  "نحثكم على إقناع كل عامل في  مصانعكم بأن البنسلين الذي ينتجه اليوم سينقذ حياة شخص ما في غضون أيام قليلة,‏ أو يشفي مرض شخص أصبح عاجزًا الآن.‏ ضعواشعارات في مصانعكم!‏ ضعوا  الإخطارات في مظاريف الأجر!‏ حمسوهم  لهذه المهمة وصولاً إلى أصغر عامل في مصانعكم"‏.

مع بدء الدعاية بشأن هذا "الدواء المعجزة"‏ الجديد في الوصول إلى العامة,‏ ازداد الطلب عليه.‏ إلا أن الإمدادات كانت محدودة في البداية,‏ وأعطيت الأولوية للاستخدام العسكري.‏

كانت للدكتور تشيستركيفر من بوسطن,‏ رئيس لجنة العلاج الكيميائي في المجلس القومي للبحوث,‏ مهمة لا يُحسد عليها تتمثل في تقنين إمدادات الدواء للاستخدام المدني.‏ اضطر كيفر إلى قصر استخدام الدواء على الحالات التي فشلت فيها طرق العلاج الأخرى.‏ كما كان جزء من مهمته يتمثل في جمع معلومات سريرية مفصلة حول استخدام الدواء حتى يمكن تطوير فهم  كامل لإمكانياته وقيوده.‏ ليس من المستغرب أن كيفر كان محاصرًا بالنداءات للحصول على البنسلين.‏ ذكر حساب في صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون في 17 أكتوبر 1943  "كثير من الناس العاديين - الأزواج والزوجات والآباء والإخوة والأخوات والأصدقاء - يتوسلون إلى الدكتور كيفر للحصول على البنسلين.‏ في كل حالة,‏ يُطلب من صاحب الالتماس إرسال ملف كامل عن حالة المريض من قبل الطبيب المسؤول.‏ عندما يصل ذلك,‏ يتم اتخاذ القرار على أساس طبي وليس على أساس عاطفي"‏.

لحسن الحظ,‏ بدأ إنتاج البنسلين في الزيادة بشكل كبير في أوائل عام 1944.‏  قفز إنتاج الدواء في الولايات المتحدة من 21 مليار وحدة في عام1943إلى 1663 مليار وحدة في عام 1944إلى أكثر من 6.8 تريليونات وحدة في عام1945 وتغيرت تقنيات التصنيع في الحجم والتعقيد من قوارير سعتها لتر واحد مع  عائدأقل من 1% إلى خزانات سعة 10000 جالون بمعدل عائد 80ـ90% .وقد تمكنت الحكومة الأمريكية في النهاية من إزالة جميع القيود المفروضة على توفره,‏ واعتبارًا من  15 مارس 1945وزعت القنوات  التسويقية المعتادة البنسلين,‏ وأصبح متاحًا للمستهلك في أقرب صيدلية له.‏

بحلول عام  1949كان الإنتاج السنوي للبنسلين في الولايات المتحدة 133229 مليار وحدة,‏ وانخفض السعر من عشرين دولارًا لكل 100000وحدة في عام 1943إلى أقل من عشرة سنتات.‏ انتقلت معظم الشركات البريطانية إلى  طريقة انتاج البنسلين بالتخمير بالخزانات العميقة ـ الطريقة الرائدة في الولايات المتحدةـبعد نهاية الحرب لتلبية احتياجات المدنيين.‏ وفي المملكة المتحدة,‏ طرح البنسلين لأول مرة للبيع لعامة الناس,‏ كدواء بوصفة طبية في الأول من يونيو 1946

وفي المملكة المتحدة,‏ واصل تشين وأبراهام العمل على بنية جزيء البنسلين,‏ بمساعدة عمل التصوير البلوري بالأشعة السينية لدوروثي هودجكين في أوكسفورد أيضًا.‏ السمة الفريدة للبينة,‏ التي أتضحت  أخيرًا في عام1945‏ هي حلقة بيتالاكتام غير مستقرة  رباعيةالترابط‏ والتي دُمجت في حلقة ثيازوليدين.‏ ومُنح في نفس العام كل من ألكسندر فليمنج‏ وهوارد فلوري‏ وإرنست تشين جائزة نوبل لأبحاثهم عن البنسلين.‏

كانت الجهود التعاونية للكيميائيين والمهندسين الكيميائيين,‏ وعلماء الأحياء الدقيقة,‏ وعلماء الفطريات,‏ والوكالات الحكومية,‏ والشركات المصنعة للمواد الكيميائية والأدوية مساوية للتحدي الذي طرحه هوارد فلوري ونورمان هيتلي في عام1941‏ كما لاحظ فلوري في عام: 1949 بقوله "لا يمكن إغفال الإشادة  بالعقلية المؤسساتية والطاقة  اللتان تعاملت بهما شركات التصنيع الأمريكية  للانتاج الواسع النطاق للدواء.‏ فلولا جهودهم,‏ لما كان هناك بالتأكيد ما يكفي من البنسلين في يوم الإنزال في نورماندي في عام  1944  لعلاج جميع الإصابات الخطيرة في القوات‏ البريطانية والأمريكية"‏

 

المصدر: موقع acs

إرسال تعليق

0 تعليقات